ابن أبي أصيبعة
417
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
في سر الطب ومما حكي عنه من بدائع وصفه وجودة استدلاله قال القاضي أبو علي المحسن بن علي بن أبي جهم التنوخي في كتاب الفرج بعد الشدة حدثني محمد بن علي بن الخلال البصري أبو الحسين أحد أمناء القضاة قال حدثني بعض أهل الطب الثقاة أن غلاما من بغداد قدم الري وهو ينفث الدم وكان لحقه ذلك في طريقه فاستدعى أبا بكر الرازي الطبيب المشهور بالحذق صاحب الكتب المصنفة فأراه ما ينفث ووصف ما يجد فأخذ الرازي مجسته ورأى قارورته واستوصف حاله منذ بدأ ذلك به فلم يقم له دليل على سل ولا قرحة ولم يعرف العلة فاستنظر الرجل ليتفكر في الأمر فقامت على العليل القيامة وقال هذا يأس لي من الحياة لحذق المتطبب وجهله بالعلة فازداد ما به وولد الفكر للرازي أن أعاد عليه فسأله عن المياه التي شربها في طريقه فأخبره أنه قد شرب من مستنقعات وصهاريج فقام في نفس أبي بكر محمد بن زكريا الرازي المتطبب الرأي بحدة الخاطر وجودة الذكاء أن علقة كانت في الماء فحصلت في معدته وأن ذلك النفث الدم من فعلها فقال له إذا كان في غد جئتك فعالجتك ولم أنصرف أو تبرأ ولكن بشرط تأمر غلمانك أن يطيعوني فيك بما آمرهم به فقال نعم وانصرف الرازي فتقدم فجمع له ملء مركنين كبيرين من طحلب أخضر فأحضرهما من غد معه وأراه إياهما وقال له أبلغ جميع ما في هذين المركنين فبلع الرجل شيئا يسيرا ثم وقف فقال ابلع فقال لا أستطيع فقال للغلمان خذوه فأنيموه على قفاه ففعلوا به ذلك وطرحوه على قفاه وفتحوا فاه وأقبل الرازي يدس الطحلب في حلقه ويكبسه كبسا شديدا ويطالبه ببلعه شاء أم أبى ويتهدده بالضرب إلى أن بلعه كارها أحد المركنين بأسره والرجل يستغيث فلا ينفعه مع الرازي شيء إلى أن قال الساعة اقذف فزاد الرازي فيما يكبسه في حلقه فذرعه القيء فقذف وتأمل الرازي قذفه فإذا فيه علقة وإذا هي لما وصل إليها الطحلب قرمت إليه بالطبع وتركت موضعها والتفت على الطحلب فلما قذف الرجل خرجت مع الطحلب ونهض الرجل معافى قال القاضي التنوخي وحدثني أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الرازي المعروف بابن حمدون قال حدثني أبو بكر أحمد بن علي الرازي الفقيه قال سمعت أبا بكر بن قارن الرازي الطبيب